الجصاص

472

أحكام القرآن

القضاء لولا الدلالة . وأيضا فلا تأثير للنسيان بانفراده في سقوط الفرض إلا بانضمام معنى آخر إليه فيصيران عذرا في سقوطه ، نحو السفر الذي هو حال عدم الماء فإذا انضم إليه النسيان صار جميعا عذرا في سقوطه ، وأما نسيان الطهارة والقراءة والصلاة ونحو ذلك فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير عذرا في سقوط هذه الفروض . ومن جهة أخرى أنا جعلنا النسيان عذرا في الانتقال إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض ، وفي المسائل التي ذكرتها فيها اسقاط الفروض لا نقلها إلى أبدال ، فلذلك اختلفا . فإن قيل : الناسي للماء في رحله هو واجد له . قيل له : ليس الوجود هو كون الماء في رحله دون إمكان الوصول إلى استعماله من غير ضرر يلحقه ، ألا ترى أن من معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش يجوز له التيمم وهو واجد للماء ؟ فالناسي أبعد من الوجود لتعذر وصوله إلى استعماله ، ألا ترى أن من ليس في رحله ماء وهو قائم على شفير نهر أنه واجد للماء وإن لم يكن له مالكا لإمكان الوصول إلى استعماله ؟ فعلمنا أن الوجود هو إمكان التوصل إلى استعماله من غير ضرر ، ألا ترى أن الماء لو كان في رحله ومنعه منه مانع جاز له التيمم ؟ فعلمنا أن الوجود شرطه ما ذكرنا دون الملك . فإن قيل : ما تقول لو كان على ثوبه نجاسة فنسي الماء في رحله ولم يغسله وصلى فيه ، هل يجزيه ؟ قيل له : لا نعرفها محفوظة عن أصحابنا ، وقياس قول أبي حنيفة أنه يجزي ، وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي فيمن نسي في رحله ثوبا وصلى عريانا أنه يجزيه . مطلب : في أن الوجود لا يقتضي سبق طلب واختلفوا في تارك الطلب إذا لم يكن بحضرته ماء ، هل هو غير واجد ؟ فقال أصحابنا : " إذا لم يطمع في الماء ولم يخبره مخبر فليس عليه الطلب ويجزيه التيمم " . وقال الشافعي : " عليه الطلب ، وإن تيمم قبل الطلب لم يجزه " . وقال أصحابنا : " إن طمع فيه أو أخبره مخبر بموضعه فإن كان بينه وبينه ميل أو أكثر فليس عليه إتيانه لما يلحقه من المشقة والضرر بتخلفه عن أصحابه وانقطاعه عن أهل رفقته ، وإن كان أقل من ميل أتاه ، وهذا إذا لم يخف على نفسه وما معه من لصوص أو سبع ونحوه ولم ينقطع عن أصحابه " . وإنما قالوا فيمن كانت حاله ما قدمنا أنه يجزيه التيمم وليس عليه الطلب ، من قبل أنه غير واجد للماء ، وقال الله تعالى : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) وهذا غير واجد . فإن قالوا : لا يكون غير واجد إلا بعد الطلب . قيل له : هذا خطأ ، لأن الوجود لا يقتضي طلبا ، قال الله تعالى : ( فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم ) [ الأعراف : 44 ] فأطلق اسم الوجود على ما لم يطلبوه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من وجد لقطة فليشهد ذوي